خارج القضبان.

بقلم:ماجد أشرف 

خارج القضبان

هل أصبح الإنسان سجينًا دون أن يدخل السجن؟

عمرك سألت نفسك وأنت ماشي في الشارع، وشايف الناس رايحة وجاية، كام واحد فيهم حر بجد؟ مش حر بجسمه، ولا حر إنه يخرج ويرجع ويتحرك زي ما هو عايز، لكن حر بعقله، بفكره، بقراره، وبقدرته إنه يقول «لا» من غير ما يخاف؟

الحقيقة إن مش كل السجون ليها أسوار، ومش كل السجناء لابسين بدلة سجن. فيه إنسان ممكن يكون عايش وسط أهله وأصحابه، بيضحك ويتكلم ويمارس حياته بشكل طبيعي، لكنه من جواه محبوس في سجن محدش شايفه.

سجين مخدر مش قادر يستغنى عنه، أو خوف مسيطر على كل قراراته، أو شخص بيحرك حياته زي ما هو عايز، أو علاقة خلت كرامته وراحته النفسية آخر حاجة يفكر فيها.

هنا تبدأ الحكاية.. حكاية الإنسان اللي فقد حريته من غير ما يفقد مكانه.صورة تعبيريه

المخدرات.. لما الإنسان يبقى غريب عن نفسه. 

من أخطر أشكال العبودية إن الإنسان يوصل لمرحلة يبقى فيها مش قادر يتحكم في نفسه. المخدر مش بس بيأثر على الجسم والصحة، لكنه ممكن يسحب من الإنسان قدرته على الاختيار، ويخليه كل يوم يأجل حياته ومستقبله وحلمه علشان لحظة مؤقتة.

والأصعب إن الإنسان ساعات بيكون عارف إنه بيتدمر، لكنه مش قادر يخرج من الدائرة لوحده. وهنا لازم نفهم إن المدمن مش مجرد شخص محتاج لوم أو عقاب، لكنه إنسان محتاج علاج ودعم وفرصة حقيقية يبدأ من جديد.

الخوف…سجن من غير أبواب. 

مش لازم حد يحط عليك قيد علشان تبقى مقيد. ساعات خوفك من كلام الناس، أو من خسارة شخص، أو من الفشل، يخليك تتنازل عن رأيك وحقك وقرارك.

تلاقي نفسك بتوافق وأنت رافض، وتسكت وأنت موجوع، وتضحك وأنت من جواك بتنهار، وكل ده علشان متخسرش حد أو متدخلش في مواجهة.

ومع الوقت، بتكتشف إنك بقيت بتعيش الحياة اللي غيرك عايزها، مش الحياة اللي أنت اخترتها.

التلاعب النفسي…لما حد تاني يمسك ريموت حياتك.

فيه فرق كبير بين إن حد ينصحك، وإن حد يتحكم فيك.

النصيحة بتساعدك تشوف الطريق، لكن السيطرة بتخليك تشوف الدنيا بعين الشخص اللي قدامك.

وساعات التلاعب النفسي بيبدأ بكلمة، وبعدها لوم مستمر، وبعدها تخويف من الفقد، لحد ما الإنسان يشك في نفسه وفي قراراته، ويبدأ يصدق إنه مش قادر يعيش أو ينجح من غير الشخص اللي بيتحكم فيه.

والسؤال هنا: إمتى الحب يتحول من مصدر أمان إلى وسيلة للسيطرة؟

التبعية العمياء…لما العقل يتنازل عن دوره. 

من حق كل إنسان يسمع ويقتنع ويتعلم من غيره، لكن مش من حق أي حد يسلم عقله بالكامل لشخص تاني.

إنك تختلف مش معناه إنك عدو، وإنك تسأل مش معناه إنك قليل الفهم، وإنك تفكر بشكل مختلف مش معناه إنك غلط.

الإنسان اللي بيتنازل عن حقه في التفكير، بيسلم أهم حاجة بتميزه: قدرته على الاختيار.

الحرية مش مجرد باب مفتوح. 

الحقيقة اللي لازم نفهمها إن الحرية مش مجرد إنك تقدر تخرج من بيتك وتتحرك في الشارع.

الحرية إنك تمتلك قرارك، وتقدر تعبر عن رأيك، وتحافظ على كرامتك، وتختار طريقك من غير ما تكون أسيرًا لمخدر أو خوف أو شخص أو فكرة بتسلب منك إرادتك.

وده مش معناه إن الإنسان يعيش من غير مسؤوليات أو يرفض كل التزام، بالعكس، الحرية الحقيقية إنك تختار وتتحمل نتيجة اختيارك.

وفي النهاية عزيزي القارئ، يمكن أصعب سؤال مش: مين اللي حبس الإنسان؟

لكن السؤال الأهم: إمتى الإنسان هياخد أول خطوة علشان يتحرر؟

لأن فيه قضبان مش محتاجة مفتاح، محتاجة وعي وشجاعة ومساعدة حقيقية.

مش كل اللي ماشي في الشارع حر، ومش كل اللي ورا القضبان فقد حريته…ساعات السجن الحقيقي بيكون جوانا، وأول خطوة للخروج منه إننا نعترف بوجوده.

الحرية مش إنك تعيش من غير قيود، الحرية إنك متسمحش لأي قيد يسلب منك إنسانيتك.