بقلم: مارينا رؤوف
في الماضي.
في أحد أحياء القاهرة القديمة، عاش عم مصطفى، وهو رجل مكافح في أواخر الخمسينيات من عمره، كان يعمل خياطاً للرجال في دكان صغير ورثه عن والده. كان لعم مصطفى جار شاب يدعى أحمد. كان أحمد طالباً متفوقاً في كلية الهندسة، ولكنه كان يعيش ظروفاً مادية غاية في الصعوبة بعد وفاة والده، حيث كان يتكفل برعاية والدته وشقيقته الصغرى.
في أحد الأيام من عام 1975، أعلنت نتيجة بكالوريوس الهندسة، وكان أحمد من الأوائل. جاءه خطاب تعيين في إحدى الشركات الكبرى، وكان من المفترض أن يحضر مقابلة رسمية هامة مع وفد أجنبي لبدء العمل. لم يكن أحمد يملك سوى قميص وبنطال قديمين لا يصلحان لمثل هذه المناسبة الرسمية، وشعر بالعجز والضيق ولم يكن يملك المال لشراء بدلة جديدة.
لاحظ عم مصطفى بنظرته الأبوية انطواء أحمد وحزنه في ذلك اليوم. استدرجه في الحديث حتى باح له الشاب بخجله وقلقه من المقابلة بسبب مظهره. تبسم عم مصطفى وقال له: يا بني، رزقك مكتوب، والبدلة هتكون جاهزة في الميعاد.
رفض أحمد في البداية خجلاً، لكن عم مصطفى أصر. ذهب إلى خزانته القديمة وأخرج لفة قماش صوف إنجليزي فاخر، كان قد ادخرها لسنوات ليصنع منها بدلة لنفسه ليحضر بها حفل زفاف ابنته المستقبلي.
طوال ثلاثة أيام كاملة، سهر عم مصطفى على ضوء قنديل صغير وشتائه البارد، يقص ويخيط بدقة متناهية ليصنع لأحمد بدلة كلاسيكية رمادية مبهرة على أحدث طراز. لم يكتف بذلك، بل اشترى له قميصاً أبيض جديداً من ماله الخاص كهدية تخرج.
في يوم المقابلة، ارتدى أحمد البدلة، وكان يبدو في غاية الأناقة والثقة. ذهب إلى المقابلة وتم قبوله فوراً للتميز الشديد في مؤهلاته وشخصيته التي عززتها ثقته بمظهره.
مرت السنوات، وأصبح أحمد مهندساً مرموقاً وتبدلت أحواله المادية، وتوفى عم مصطفى بعد أن زوج ابنته. لكن أحمد لم ينس هذا الجميل قط؛ فظل طوال حياته يرعى زوجة عم مصطفى الراحل، وقام بتجديد الدكان وتحويله إلى مشغل صغير لابن عم مصطفى ليحافظ على إرث الرجل الذي خاط له أول خطوة في طريق نجاحه
في الحاضر:
في مدينة ذكية تدار بالكامل عبر الخوارزميات، كان طارق رجلاً مسناً يعيش بمفرده، لم تكن تؤنس وحشته سوى شاشة ذكية في جدار غرفته تدعى أنيس (Anees). كانت الشاشة تنظم له مواعيد دوائه، وتطلب له طعامه التلقائي، وتقيس ضغطه بابتسامة مصطنعة من بكسلات مضيئة.
في أحد الأيام، أصيب طارق بوعكة صحية حادة. حاول أن ينادي بصوت مخنوق طلباً للمساعدة، لكن النظام الصوتي في المنزل صنف صوته على أنه ضوضاء غير منتظمة فقام بخفض مستوى الصوت تلقائياً ليوفر له بيئة هادئة للنوم.
على شاشة هاتفه، ظهر إشعار آلي بلهجة مبهجة: لقد تجاوزت معدل هدوئك الطبيعي اليوم بنسبة 15%. تم إرسال تقريرك الأسبوعي إلى مزود الخدمة. نتمنى لك يوماً سعيداً!
جلس طارق مستنداً إلى الأريكة الباردة، ينظر إلى الرمز الأخضر الصغير الذي يخبره أن النظام يعمل بكفاءة 99.9%. لم يكن هناك شخص واحد في الجوار ليسأله: هل أنت بخير؟ فكل الجيران كانوا منشغلين، عيونهم مثبتة على شاشاتهم، يتحدثون مع أصدقاء عبر القارات، بينما يتركون العجوز الذي يسكن بجوارهم يذوب بصمت في معادلة رقمية لا تعرف شيئاً عن الدموع.
عندما انطفأ نبض طارق في اليوم التالي، لم تشعر المدينة بالحزن؛ بل أرسل النظام كعادته بريداً إلكترونياً تلقائياً إلى قاعدة البيانات يخبرهم أن الشفرة الخاصة بالعميل رقم 412 قد أصبحت غير صالحة، وطالب بإعادة تهيئة الشاشة لمستأجر جديد.
في النهاية، نحن لن نستطيع العودة إلى الماضي، ولا إيقاف عجلة الزمن، ولا التخلي عن التكنولوجيا التي أصبحت جزءاً من حياتنا. لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش حاضرنا. نستطيع أن نمنح أهلنا وقتاً أكبر، أن نسمع بعضنا باهتمام، أن نصنع ذكريات جديدة لا تعتمد على عدد الصور بقدر ما تعتمد على صدق اللحظة. الحياة ستظل تمضي بسرعة، لكن جمالها الحقيقي يكمن في قدرتنا على أن نعيشها بقلب أحن، وكلمة طيبة، ووقت كاف لمن نحب.
أخبار الجمهور نبض الشعب وقلب الحقيقة