بقلم: ميرال مؤنس
أصبحت تكاليف الزواج من أبرز المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الشباب في الوقت الحالي، حيث تحوّل حلم تكوين أسرة وبناء حياة مستقرة إلى تحدٍ كبير يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والادخار. فلم يعد الزواج مجرد خطوة طبيعية ينتظرها الشاب والفتاة، بل أصبح مشروعًا مكلفًا تزداد أعباؤه يومًا بعد يوم، في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة متطلبات الحياة.
وتبدأ الأزمة منذ التفكير في الزواج، إذ يجد الشاب نفسه أمام قائمة طويلة من الالتزامات، بداية من تجهيز شقة الزوجية وشراء الأثاث والأجهزة الكهربائية، مرورًا بتكاليف الخطوبة وحفل الزفاف، وصولًا إلى المصاريف اليومية التي يحتاج إليها لتأسيس أسرة. ومع ارتفاع أسعار العقارات والسلع الأساسية، أصبحت هذه المتطلبات تمثل عبئًا ماديًا يصعب على كثير من الشباب تحمّله، خاصة في ظل محدودية الرواتب وعدم تناسبها مع تكاليف المعيشة.
وتظهر معاناة الشباب بوضوح عندما يجد الشاب نفسه مطالبًا بتوفير مبالغ كبيرة حتى يتمكن من بدء حياته الزوجية، وهو ما يدفع البعض إلى تأجيل الزواج لسنوات، بينما يضطر آخرون إلى الاقتراض أو الاستعانة بأسرهم لتوفير الاحتياجات الأساسية.
ولا تتوقف المشكلة عند تجهيز منزل الزوجية فقط، بل تمتد إلى تكاليف شهرية ومسؤوليات جديدة تحتاج إلى دخل ثابت وقدرة على التخطيط للمستقبل. فالشاب المقبل على الزواج لا يفكر في يوم الزفاف وحده، وإنما يفكر أيضًا في كيفية توفير احتياجات أسرته بعد الزواج، مثل الطعام والمواصلات وفواتير الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم مستقبلًا، وهو ما يجعله يشعر بأن المسؤولية أكبر من إمكانياته المادية.
ولا تقتصر الأزمة على الجانب المادي فقط، بل تمتد آثارها إلى الجانب النفسي والاجتماعي، حيث يشعر كثير من الشباب بالقلق والإحباط نتيجة عدم قدرتهم على تحقيق الاستقرار الذي يتمنونه. كما تتعرض بعض الفتيات لضغوط اجتماعية بسبب المغالاة في متطلبات الزواج، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعقيد فرص الارتباط وظهور خلافات بين العائلات قبل إتمام الزواج.
ومن النتائج السلبية لهذه الأزمة أيضًا زيادة الخلافات بين الشباب والأسر، فقد تنتهي بعض العلاقات رغم وجود التفاهم والقبول بين الطرفين، بسبب عدم القدرة على توفير متطلبات الزواج. وفي أحيان أخرى يشعر الشباب بأنهم مطالبون بتحقيق مستوى معيشي معين حتى يحصلوا على فرصة للارتباط، وهو ما يزيد من الضغوط النفسية ويجعل البعض يفقد الأمل في تكوين أسرة خلال فترة الشباب.
ومن الأسباب التي ساهمت في تفاقم المشكلة انتشار بعض العادات والتقاليد التي تربط الزواج بالمظاهر والمبالغة في التجهيزات، مثل اشتراط شراء أثاث باهظ الثمن أو إقامة حفلات زفاف كبيرة، رغم أن الهدف الأساسي من الزواج هو بناء حياة قائمة على المودة والتفاهم والاحترام المتبادل، وليس التنافس في المظاهر أو الإنفاق.
ويرى كثيرون أن مواجهة هذه الأزمة تحتاج إلى تغيير بعض المفاهيم الاجتماعية، والتخلي عن المبالغة في الطلبات، وتقدير الظروف الاقتصادية للشباب، إلى جانب ضرورة نشر ثقافة التيسير والتعاون بين الطرفين. كما أن مشاركة الأسرة في تخفيف الأعباء، والاتفاق على تجهيزات تتناسب مع الإمكانيات المتاحة، يمكن أن يساعدا في حل جزء كبير من المشكلة.
ومن المهم أيضًا أن يدرك المجتمع أن قيمة الإنسان لا تتحدد بما يمتلكه من أموال أو بما يستطيع تقديمه من تجهيزات، وأن نجاح الزواج لا يحتاج إلى مظاهر باهظة بقدر ما يحتاج إلى الصدق والاحترام وتحمل المسؤولية. فالتعاون بين الزوجين منذ بداية حياتهما يساعدهما على تجاوز الصعوبات الاقتصادية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
وفي النهاية، يظل الزواج حلمًا مشروعًا لكل شاب وفتاة، ولا ينبغي أن يتحول إلى عبء يفوق قدرات الشباب أو سببًا في ضياع أحلامهم. فالتيسير في الزواج ليس تقليلًا من قيمته، بل هو خطوة نحو مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا، لأن بناء أسرة سعيدة يبدأ بالتفاهم والرحمة، وليس بالمبالغة في التكاليف والمظاهر.
أخبار الجمهور نبض الشعب وقلب الحقيقة