مش كل اللي ساكت مرتاح!

بقلم: ماجد أشرف

فيه ناس بتصحى كل يوم علشان تعيش، وناس بتصحى كل يوم علشان تحاول تعيش.

والفرق بين الاتنين أكبر بكتير مما نتخيل.

في الشارع اللي بنعدّي منه كل صباح، فيه راجل بيفتح محله قبل ما الشمس تطلع، مش لأنه بيحب يصحى بدري، لكن لأن فيه بيوت مستنية رزقه. وفيه أم بتودّع ابنها قدام باب المدرسة، وتبتسم له رغم إنها يمكن تكون مش عارفة هتقدر توفّر له كل احتياجاته إزاي. وفيه عامل بيرجع آخر النهار وهدومه شايلة تعب يوم كامل، لكنه أول ما يفتح باب بيته بيحاول يخبّي تعبه علشان محدش يحس إنه مكسور.

إحنا بنشوف الناس دي كل يوم.

بنسلّم على بعض، ونعدّي جنب بعض، ويمكن نتبادل ابتسامة سريعة، وبعدها كل واحد يكمّل طريقه.

لكن السؤال اللي نادرًا ما بنسأله لنفسنا: إحنا فعلًا شايفين الناس دي، ولا مجرد متعودين على وجودهم؟

لأن الحقيقة إن كل وش بنشوفه في الشارع وراه حكاية، وكل شخص بنحكم عليه من لحظة ممكن يكون بيخوض معركة بقاله سنين.

الراجل اللي صوته عالي يمكن يكون فقد قدرته على الاحتمال. والست اللي بتضحك طول الوقت يمكن تكون بترجع كل ليلة تواجه وجعها لوحدها. والشاب اللي بنقول عليه فاشل، يمكن يكون بيحاول من سنين يلاقي فرصة واحدة تثبت له إن تعبه مراحش على الفاضي.

إحنا بقينا مسرعين في الحكم على بعض، ومبطئين جدًا في فهم بعض.

بقينا نسأل الناس عن شغلها، ومرتباتها، ونجاحها، لكن قليل لما بنسأل سؤالًا بسيطًا ممكن يفرق في يوم إنسان:

إنت كويس بجد؟

مش السؤال اللي بنقوله وإحنا مستنيين الإجابة، لكن السؤال اللي بنقوله وإحنا مستعدين نسمع.

ولأننا بنتكلم عن الناس، فلازم نعترف إن فيه ناس بتشيل البلد دي على أكتافها من غير ما حد يعرف أسماءها.

عامل النظافة اللي بيبدأ يومه قبل ما شوارعنا تصحى، والممرضة اللي بتسهر جنب مريض غريب عنها، وسائق الميكروباص اللي بيحاول يرجع بيته برزق يومه، والمدرس اللي بيحاول يزرع أمل في عقول طلابه رغم كل الصعوبات.

دول مش مجرد أشخاص بيؤدوا وظائفهم.

دول جزء من الحكاية الكبيرة اللي اسمها الحياة.

ومع ذلك، بنفتكرهم أحيانًا بس لما يغيبوا، أو لما حاجة تتعطل، أو لما نحتاج منهم خدمة.

أما وهما بيؤدوا دورهم كل يوم، فغالبًا بنعتبر وجودهم أمرًا عاديًا.

لكن مفيش إنسان عادي بالمعنى اللي بنستخدمه.

مفيش أب تعبان حكايته عادية، ولا أم بتخبي دموعها علشان أولادها حكايتها بسيطة، ولا شاب بيحارب ظروفه كل يوم يستحق إننا نختصره في إخفاق واحد.

كل إنسان فيهم يستحق إننا نفهم حكايته قبل ما نصدر حكمنا عليه.

يمكن أكبر أزمة بنعيشها مش إن الناس بقت أقل طيبة، لكن إننا بقينا أقل انتباهًا لبعض.

بقينا مشغولين لدرجة إننا مش بنلاحظ التعب اللي في عيون أقرب الناس لينا. بقينا بنجري وراء لقمة العيش، لحد ما نسينا نسأل بعض إذا كنا لسه قادرين نستمتع بالحياة أصلًا.

والفرحة؟

الفرحة لسه موجودة، لكنها أحيانًا بقت صغيرة، وهادية، ومستخبية وسط تفاصيل اليوم.

في أم ابنها يرجع البيت بالسلامة، وفي أب يقدر يشتري طلبات بيته من غير ما يستلف، وفي شاب يلاقي شغل بعد شهور من البحث، وفي مريض يسمع من الدكتور إن حالته اتحسنت.

حاجات يمكن تبدو بسيطة للي مش محتاجها، لكنها بالنسبة لغيره دنيا كاملة.

علشان كده، يمكن إحنا مش محتاجين كلامًا كتير عن الإنسانية بقدر ما إحنا محتاجين نمارسها.

نحتاج نسمع قبل ما نحكم، ونساعد من غير ما نجرح كرامة حد، ونحترم الإنسان حتى لو اختلفت ظروفه عن ظروفنا.

في النهاية عزيزي القارئ، خلّينا نفتكر إن كل إنسان بنقابله عنده حكاية إحنا منعرفش عنها حاجة، وإن كلمة طيبة ممكن تهوّن على قلب شايل فوق طاقته، وإن الاهتمام ساعات بيكون أغلى من أي مساعدة مادية.

فمش كل اللي بيضحك سعيد، ومش كل اللي ساكت مرتاح، ومش كل اللي بيقول «أنا بخير» فعلًا بخير.

يمكن مش هنقدر نحل مشاكل الدنيا كلها، لكن على الأقل نقدر منكونش سبب في وجع حد، ونقدر نتعلم نبص لبعض بقلوبنا قبل عيوننا.

لأن ببساطة، كل واحد فينا عنده حكاية… ويمكن كل اللي محتاجه إن حد يسمعه.