الرئيسية / غير مصنف / نورا محمد تكتب :كتقلبات الفصول .. أصبح هو حال الإنسان ! 

نورا محمد تكتب :كتقلبات الفصول .. أصبح هو حال الإنسان ! 

 

لهيب لا ينطفأ تشتد به نيران الغضب , نسمات هادئة لا تنم عن قيام أي عاصفة وهياج لن يهدأ , بدايات برود لا يُثير العنف والضيق , ثم الصقيع الذي لن ترى الإنسان فيه إلا مجرد جسد يغدو في الحياة بلا أي إنفعال أو رد فعل .. 

 

كلها مراحل تمر به وهو لا يشعر بذلك , هو فقط يسير مع التيار ويحسبه نتيجة أفعاله , ولكن الحقيقة مختلفة وما خفي كان أعظم , فإذا كانت للحياة فصول تتغير بموعد مُحدد , ويستحيل أن يتبدل فصل مع فصل أخر , أو يجئ في موعد قبل موعده المُقدر , أو حتى يعتذر عن القدوم تحت أي عذر من أعذار الطبيعة , فـ البشري أيضاً له فصول تجئ طبق موعدها المُحدد , وبحسب كل فصل تتضح ملامح وتكوين شخصيته أشد الوضوح , بل وتجد أن لغزه بدأ ينكشف أمامك بمنتهى البساطة , كيف ذلك ؟ , كيف يُمكن لإنسان لا حول له ولا قوة أن يكشف أسرار النفس البشرية لإنسان أخر يختلف عنه كل الإختلاف ؟! , نعم أنت لا تتفق معي وأنا لا أتفق معك , أنا وأنت لنا شخصيتنا المستقلة , الآن أنت تمر بفصلك الخاص , وأنا كذلك , فكيف نتفق إذاً والحالة مُتنافرة كل التنافر ؟! , ولكن إن أردت أن تكتشف السر فاتبعني , قد تجد الحل لهذا اللغز الأصعب من لغزك أنت من الأساس ! ..

 

أنت , ضائع بين لحظاتك الغريبة تلك !

 

أتتذكر تلك اللحظات بين كل فصل و الأخر ؟ , بين فصل الصيف وفصل الخريف على سبيل المثال  , تجد أن الوضع يتغير وتشعر بذلك التغيير , تشعر أن الطقس بدأت حرارته تنخفض , وأوراق الأشجار التي لطالما زينت الطبيعة بألوانها الخلابة , خضراء لامعة تنتشر عبر الطرق وتبعث فيك كل معاني الجمال , وبرغم حرارة الجو القاسية وخيوط الشمس التي لم تكتفِ بفرض سيطرة أشعتها الذهبية عليك , بل وجعلك تفقد توازنك أياماً لشدتها , إلا أنك تجد في ذلك الفصل نوعاً أخر من أنواع البهجة  , زهور حمراء قوية اللون , تسر الناظرين , وتُبهرنا بقدرة الخالق في إبداع لا ينتهي , ولن يُكرر , هي لوحة الطبيعة التي لن تقوى كل أيادي الفنانين على وضع ريشتهم الفنية بها , هي لوحة إستثنائية , حرارة الفصل لن تتركك بسلام ! , ومع الأسف أنت مُجبر على الخروج يومياً لتواجه ذلك الطقس بمفردك , تُعافر من أجل الوصول لمقصدك , فلن تجد سوى شعور واحد وفقط ” الضيق والتعب والإجهاد ” , الشعور الذي يولد داخلك بمجرد أن تستيقظ من نومك حتى ! , فما بالك بتلك المعركة العنيفة ؟ , التي تستقل فيها زمام الأمور وحدك وساحتها ” طريق الحياة ” , تعود إلى منزلك فتُغير محل إقامتك وتصبح ” ثلاجتك ” , نعم , فما لك سواها بعد تلك الرحلة المُهلكة لأعصابك كل يوم , فهل تجد شيئاً أجمل من أن تقضي ساعات وساعات وأنت تروي عطشك بماء مُثلج ؟ , هو الإنتصار الذي تطمح له منذ أن حل عليك هذا الفصل المُخيف رغم تفتح زهوره رائعة الألوان ! , وبعد أن تقضي أياماً واسابيعاً وشهوراً وأنت تُعافر تلك الحالة القاسية , وتتقاذفك رياح دافئة مُقدمة من الحياة , ثم يأتي الغيث فجأة , ورغم معرفتك ودرايتك بموعد قدومه ولكنك يأست في قدومه أشد اليأس ولم يكن في حُسبانك أن يفي بوعده وينقذك أخيراً , فقد أصبحت شمعة تحترق وأنت تبغض أن تحترق من أجل شئ , انتشلتك بعض النسمات الباردة , كأنها قطرات ماء إخترقت جوفك بعد أن قضيت قروناً ضائعاً بين رمال صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء ! , هذا الإختراق هو المُحبب لقلبك حينها ,  بل وكل حين , وتلك النسمات هي الأقرب لروحك أيضاً , فقد جف عرقك الذي فاض على جبينك كأنه يحاول إغراقك فيه ولكنك ظللت تطفو على سطحه في مقاومة حتى مجئ طوق النجاة , وها قد جاء , فلتبتهج إذاً الآن , فهو الخريف يا سادة , الذي يُبدل شعورك بالضيق والحنق إلى القليل من الراحة والهدوء , فهو هدوء ليس مُكتملاً ! , في الخريف أنت مُشتت , لا تدري , هل تخرج للحياة بهيئتك الصيفية أم الشتوية ؟ , هل تُمزق ذاتك الغاضبة من نيران الضيق الذي إلتهمك بك صيفك أم تظل عالقاً به حتى إشعار أخر ! , فهو فصل وسطي , يفصل بين نيران الغضب , وبرودة الأعصاب , فقط فيه قليلاً من التوازن الذي ستألفه , ولكنه فصل الحيرة , فصل التردد , كيف تغدو بتلك الحياة إذاً بعد أن تغيرت الأحوال هذا التغيير وإن كان طفيف , لقد تعودت على حالة الضيق , والخروج بكامل غضبك وأنت مُرغم على مُقاتلة شمس الكون , وحرارتها التي لا تعرف معنى للرحمة بصغارها البشر , فبعد كل ذلك تجد أن الشمس بدأت تهدأ وتستسعيد خيوطها بعد أن نثرتها عليك , وحرارتها قد إستيقظ ضميرها وانسحبت قليلاً حتى تمنحك بعض السعادة ” المؤقتة ” لرحيلها , كيف تتأقلم على هذا الوضع المُفاجئ وأنت المسكين ؟! , ولكنك مع كل صباح , ومع كل نسمة باردة إلى حداً ما تبدأ بالتأقلم , تتلقى تلك النسمات بصدر رحب , تسمح لها أن تصفع وجهك ولا ترد لها الضربة أضعاف مُضاعفة , أصبحت في تلك الحالة مُستسلماً وهو الإستسلام الوحيد الذي لا ضعف فيه .. لقد تأقلمت على حال أخيراً ..

 

ولكن .. هل تحسب أنها النهاية ؟! ..

الخريف  الذي تسير معه بمرونة وسلاسة , وتنتظر المفاجأة التي على وشك التحقق هي الأخرى , التي ينتظرها أنصارها على أحر من الجمر , ولكن قبل أن تحل المفاجأة , فتبدأ التغييرات الجديدة التي تعصف بك أنت , أتتذكر حينما أخبرتك أنك بنسمات الخريف أصبحت كمن وجد مصدر ماء في عمق الصحراء ؟ , نعم لقد أصبحت هكذا ولكن أتتوقع أن تظل على تلك الحالة طويلاً ؟! , بالطبع لا , فالتغييرات الجديدة أشد قسوة , أكثر صرامة , الطبيعة الآن إتخذت بعض القرارات ” القارسة ” التي لا مفر من تنفيذها , ولن تقوى على الفرار منها , قرارات الطبيعة ليست بمجرد قرارات وحسب , فكل قرار له أكثر من أثر على نفسك , أثر إيجابي وأخر أشد من السلبية نفسها ! , القرارات تتمثل في : سلب حرارة الشمس ” وهو الأثر الإيجابي والخبر السعيد الذي إنتظرته منذ زمن ” , ولكن هل تعتقد أن غياب الشمس سيبعث فيك أي مظهر من مظاهر الدفئ , وإن كانت الأسرة والأصدقاء والبشرية بأكملها يلتفوا حولك في محاولة لتدفئتك ؟! , إذاً أول قرار قد نُفذ , قرارها الثاني : تيارات وعواصف لن تهدأ , قرارها الأخير : هو منحك شيئاً من برودها القاسي , نعم لقد عُرف الشتاء ببرده القارس الذي لا يحتمله إلا الأقوياء , أصحاب الهمم القوية والإرادة العالية , وأصحاب المدفأة التي لا تتعطل يوماً أيضاً , ولكن هل مررت بذلك الشعور الذي وجدت فيه ” اللامبالاة ” قد سيطرت عليك ؟ , لا تكترث لأي شئ ولا تُعطي الأمور أي إهتمام ؟ , حالة من الهدوء , هدوء لم تعهده يوماً , تتلقى خبر إستبعادك من وظيفتك كأنك إستقبلت خبر ولادة إبنك مثلاً , تبتسم وتستمر في سيرك , يمر عليك أخر الشهر وأنت لا تعبأ هماً لما في جيبك , وإن كان فارغاً فما الداعي لتنزعج حتى ؟! , هو مبدأك حينها ” فلتحيا اللامبالاة ” , و أنت تحت تأثير اللامبالاة لا تشعر أنك تشعر من الأساس ! .. برودة قارسة يعقبه هدوء يُثير الحنق فيمن حولك , أرأيت كيف أصبحت ؟ ..

 

تمر الأيام , وتتفتح زهورك من جديد ..

 

وبعد شهور , تعود الحياة لتتلون بتلك الألوان التي لا حصر لها , كل مشتقات الألوان تجد الزهور تتلون بها , وأنت لا تعرف سوى الأخضر والأحمر والأزرق , أرأيت أنت مسكيناً حتى في العلم بأبسط الأشياء ؟ , ومع تفتح كل زهرة , تعود أنت لحيويتك من جديد , ويبدأ تأثير مخدر اللامبالاة في الإضمحلال والإنحلال حتى تفيق من جديد , وتجد كرنفالات الطبيعة قد بدأت , هنا وهناك , لعب ومرح , الدنيا ربيع , أصوات السندريلا تعلو , وأعياد الربيع تتفتح هي الأخرى , فتستنشق روائح الزهور التي تبعث في نفسك السعادة , والشمس تعود لتُدفئك من جديد ولكن ليس بتلك الدرجة التي تُحرقك فيها كما وجدت في صيفك , الآن أنت في حالة النشوة والسلام , الضيق الصيفي إنحرق , التردد الخريفي إختفى , اللامبالاة الشتوية تحللت , والآن أنت في حالة مختلفة وهي حالة الإزدهار ..

 

والآن , أين أنت في فصولك الخاصة ؟ ..

 

أتشعر أنك تمر بحالة سعادة وترى الحياة كلها أزهار وألوان وحب وإقدام ؟ , ترى الفراشات تنتشر وتغزو عالمك الصغير ؟ , أم تجد أن عاصفة الغضب على مقربة منك ؟ , وعلى وشك أن تُهدد إتزانك وحرارة ضيقك بدأت ترتفع ؟ , أم الحيرة والتردد والضياع أصبح هو المسيطر الوحيد عليك ؟ , ولا تقوى حتى على أخذ قراراً بالإنسحاب عنه ! , أم أنك تنظر لكل هذه الأسئلة نظرة لامبالاة كأنك لا تراه من الأساس ؟! ..

 

كن على يقين من هذه الحقيقة ..

 

أنت جزءاً من الطبيعة , والطبيعة تتبدل , فكيف لك أن تظل كما أنت مدى الدهر ؟! , ولكنك تتفاعل مع تغير الطبيعة تفاعلاً ملائماً حتى تستطيع أن تعبره بسلام , وأنت كذلك , تعامل مع التغيرات التي تطرأ عليك بالشكل الأمثل وكما يجب , حينها وفقط لن تجد سوى رحلة مختلفة ممتعة قد مررت بها وخرجت منها بدروس وعِبر , وتذكر , لا تحسب نفسك خارج حدود التغييرات , أنت التغيير الوحيد الذي لا ثبات له .. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *