أصل بين ما كان وما سيكون.

بقلم: ماجد أشرف

الساعة عدّت اتنين بعد نص الليل، والبيت كله غرقان في الهدوء، إلا من نور موبايل بينوّر وش واحد قاعد لوحده على طرف السرير. بيفتح صور قديمة، يقف عند صورة ناس كانوا يوم من الأيام أقرب له من نفسه، ويبتسم ابتسامة صغيرة سرعان ما بتختفي. يقفل الموبايل، ويسند راسه بإيده، وتبدأ الأسئلة اللي بتهرب منه طول النهار: هو كل ده راح فين؟ وإمتى الدنيا اتغيرت بالشكل ده؟ وهل كان ممكن حاجات كتير تبقى أحسن لو كان اختار طريق تاني؟

يمكن المشهد ده يكون حصل مع ناس كتير، باختلاف الحكايات والوجوه والتفاصيل، لكن الإحساس واحد؛ إنك تبقى واقف في نص الطريق، شايل جواك ماضي مش قادر تنساه، وباصص لمستقبل مش عارف هيوديك على فين.

الحقيقة إن كل واحد فينا عنده حكاية، فيها حاجات فرحته، وحاجات وجعته، وناس كان فاكر إنهم هيفضلوا معاه العمر كله، لكن الأيام كان ليها رأي تاني. وفيه أحلام كنا بنجري وراها بكل قوتنا، وفجأة لقينا نفسنا في طريق تاني خالص.

بس المشكلة مش في اللي فات، المشكلة إننا ساعات بنفضل عايشين فيه، بنراجع مواقف خلصت، ونلوم نفسنا على قرارات خدناها، ونتمنى لو الزمن يرجع بينا يوم واحد بس، نغيّر فيه حاجة أو نقول كلمة سكتنا عنها.

وفي وسط كل ده، بننسى إن العمر بيجري، وإن كل يوم بيعدي مش هنعرف نعيشه تاني.

اللي فات خلاص بقى حكاية، واللي جاي لسه محدش يعرف عنه حاجة، إنما النهارده هو الحاجة الوحيدة اللي فعلًا في إيدينا.

مش معنى إننا خسرنا مرة إننا هنفضل خسرانين، ولا معنى إن باب اتقفل في وشنا إن كل الأبواب اتقفلت. ساعات بنتمسك بحاجات عشان مش قادرين نتخيل حياتنا من غيرها، وبعد وقت بنكتشف إن بُعدها كان بداية لحاجة أحسن، حتى لو وقتها مكناش شايفين كده.

يمكن منعرفش بكرة شايل لنا إيه، ويمكن منقدرش نصلّح كل اللي فات، لكن نقدر نتعلم، ونحاول من جديد، ونبطل نلوم نفسنا على حاجات مبقاش بإيدينا نغيّرها.

في النهاية عزيزي القارئ، إحنا مش مطلوب مننا ننسى الماضي، ولا نعيش خايفين من المستقبل. كل الحكاية إننا ناخد من اللي فات درس، ومن اللي جاي أمل، ونعيش النهارده من غير ما نضيّعه في الندم أو الخوف.

أصل بين ما كان وما سيكون، شايل جوايا حكايات الأمس، ومستني بكرة بقلب لسه عنده أمل، ومؤمن إن طول ما في العمر بقية، لسه فيه فرصة نبدأ من جديد.