أحمد سلامة

في إحدى محاضرات التنمية البشرية بالولايات المتحدة الأمريكية،والتي كان يديرها أحد أهم روّاد التنمية البشرية آنذاك،المحاضر العالمي واين والتر داير – الكاتب والمفكر التحفيزي المعروف –طرح فكرة تدريبية مختلفة، أشبه بلعبة وعي عميقة.

طلب من كل متدرب أن يكتب حياته في خمس كروت فقط،مقسمًا إياها إلى خمسة فصول أو أبواب،

في أقصى درجات الإيجاز والصدق.

وهنا كتبت الدكتورة -بروشيل إلسون – ما يمكن اعتباره أعظم تلخيص في تاريخ علوم التنمية البشرية،تلخيصًا يحتوي أكثر من 90% من جوهر هذا العلم:

الفصل الأول من حياتي

سرتُ في طريق، وعلى يميني حفرة كبيرة…وقعتُ فيها.

قلت بدهشة:

ما هذا؟!

أين أنا؟! وكيف وصلت إلى هنا؟!

ليست غلطتي…أنا لم أحفر الحفرة.

فجلست أندب حظي،وألوم الظروف والطريق،

وبقيت في الحفرة…عمرًا كاملًا.

الفصل الثاني من حياتي

سرت في نفس الطريق،وتجاهلت الحفرة وكأنها غير موجودة…فسقطت فيها مرة أخرى.

قلت باستغراب:

أما زالت الحفرة كما هي؟!

ليست غلطتي…

لكن عليّ أن أخرج منها.

الفصل الثالث من حياتي

سرت في نفس الطريق،وقعت في الحفرة،

لكن هذه المرة كنت أعلم أين أنا،وأدرك أنني لم أحفرها،

لكن عليّ أن أخرج سريعًا…

وفعلت.

الفصل الرابع من حياتي

سرت في نفس الطريق،رأيت الحفرة بوضوح،

فمشيت بجوارها،وعبرت بسلام.

الفصل الخامس من حياتي

سرتُ في طريق جديد.

الحياة يا عزيزي

مليئة بالحفر،والعراقيل،

والمعوقات التي قد تمنعك من الوصول إلى ذاتك الحقيقية،

ومن تحقيق أحلامك وأمنياتك.

لكن الحكمة ليست في تجنب السقوط دائمًا،بل في ما تفعله بعد السقوط.

اجعل من كل حفرة وقعت فيها:

دافعًا لا عذرًا

قوة لا ضعفًا

درسًا لا جرحًا

ليس عيبًا أن تسقط في حفر الفشل أو الإخفاق،ولكن العيب الحقيقي أن تبقى فيها،تلقي اللوم على الظروف،

وتجلد ذاتك،وترفض النهوض.

كل حفرة سقطت فيها

هي تمرين حقيقي على الصبر،

وتقوية لعضلات العزيمة،والإصرار،والتحدي.

فلولا الحفر

لما تعلّمت،ولما نضجت،

ولما اكتسبت خبرات إدارة الوقت،وترتيب الأولويات،

ومقاومة التحديات،وقهر الصعوبات،والوصول إلى الأهداف.

ومن أعظم النماذج الملهمة قصة السباحة الأمريكية آلي ترويت.

في عمر الثانية والعشرين،وأثناء احتفالها بتخرجها من الجامعة،تعرضت لهجوم قرش أثناء السباحة في المحيط الأطلسي،أسفر عن بتر ساقها اليسرى من أسفل الركبة.

لم يكن أمامها سوى الأمل…

سبحت لمسافة تقارب 70 مترًا حتى وصلت إلى القارب بمساعدة صديقتها،ثم نُقلت جوًا إلى ميامي

حيث أُجريت لها ثلاث عمليات جراحية.

عانت بعدها نفسيًا،رفضت جسدها،

خافت من الماء،وعانت من نوبات هلع…لكنها لم تستسلم.

بدعم الأهل والأصدقاء،وبإيمان عميق بقدرتها على التغيير،

عادت إلى التدريب بعد أقل من عام،شاركت في الأولمبياد،

حصدت ميداليتين فضيتين،وكسرت رقمين قياسيين.

وأصبحت رمزًا للإرادة،ودليلًا حيًا على أن الألم

قد يكون أعظم بوابة للإنجاز.

إذا أردت أن تنجح وتترك أثرًا حقيقيًا في الحياة،اجعل من كل أزمة وقودًا،ومن كل مشكلة منصة انطلاق.

فالسهم،إن أردنا له أن يصل إلى أبعد نقطة،

علينا أن نشدّه إلى الخلف بقوة.

وكلما اشتد الشد،كان الانطلاق أقوي،

والإصابة أدق،والوصول أبعد..نعم… أنت قادر.

 

أحمد سلامة

كاتب ومدرب دولي