الرئيسية / دنيا ودين / ” مدفع الإفطار .. اضرب ” .. رمضان بالمذاق المصري الأصيل يعود من جديد .

” مدفع الإفطار .. اضرب ” .. رمضان بالمذاق المصري الأصيل يعود من جديد .

كتبت: نورا محمد 

لحظة صمت وتأهب .. وحياة! ..

 

بعد زمن من الضياع .. ضياعنا عن أهم مظاهر الشهر الكريم في بلدنا الحبيبة مصر , ضياعنا من جزء من تراثنا المتأصل بنا , بعد 30 عاماً من الإنتظار والأمل في عودة أروع لحظة في يوم الصيام , وبصوت ممزوج بالحياة مع الإفطار : ” صوماً مقبولاً وإفطاراً شهياً ” , وقبيل ذلك بلحظات ينطلق بطل حدوتة اليوم في مشهد الغروب الذي يودع فيه اليوم شمس النهار الحارقة ونودع معه يوماً من أعظم أيام السنه بأكملها في إشارة من رب العالمين على نهاية الصوم .. انطلق , وانطلقت معه دعوات اقتحمت السماء واخترقت حواجز الحياة , ابتلت العروق بالسلام والسعادة , ومعه اعلنت الحياة عن إشراق جديد , ولكنه إشراق للإيمان بداخلنا ..

 

أهلاً رمضان ..

 

مصر , العام 1992 .. خفت صوته , تلاشى وتلاشت معه ضحكات الأطفال التي كانت تفيض حينما يقع على مسامعهم صوته القوي .. اختفى وأعلن تخليه عن منصبه من أعلى بقعة في القاهرة العظيمة .. ” قلعة صلاح الدين الأيوبي ” , ولكنه لم يترك مكانه في القلوب مهما طال غيابه , فبعد أن كانت الأسرة تنتظره على أحر من الجمر ليُعلن عن إنتهاء يوماً طويلاً من العطش والجوع , أصبح مجرد ذكرى ! , وأصبحت الآمال متمثلة في أن يعود من جديد وإن كانت عودته ليوماً واحداً فقط , فتعود معه تفاصيل رمضان وبحق , فلا صوت يعلو فوق صوت المدفع , ” مدفع الإفطار ” , القائم بأعمال السعادة طوال الشهر الكريم , يمنح الكبير والصغير إحساس الإنتصار , إنتصار المسلم بسلاح الإيمان في عبور يوماً كاملاً دون شربة ماء واحدة تقرباً وشكراً لله وحده على فضله ونعمه , ويفتتح وليمة الإفطار من كل ما لذ وطاب , في لفتة إنسانية ومشهد تقشعر له الأبدان , حيث تلتف الأسرة كلها حول ” نعمة ربنا ” في ترابط وتلاحم .. 30 يوم من روعة التفاصيل لن تكتمل دونه .. وها هو يعود لموطنه الأصلي بعد طول ترحال .. والآن يمكننا أن نقولها بحرارة وصدق / أهلاً رمضان ..

حدوتة مصرية بأيام رمضانية ..

 

من ساحة متحف الشرطة بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة .. عهدنا معه رمضان كل عام , انتظرناه كما تنتظر الأم طفلها التائة , بأشد الإشتياق وبأسعد اللحظات التي قد تمر على القلوب المتعطشة , حيث أجرت وزارة السياحة والآثار المصرية الكثير من الترميمات له حتى يعود عودة تليق به , وكما يليق بشهرنا المبارك , والجدير بالذكر أن الوزارة قد انتهت بالأمس من التجريب الأخير له استعداداً لرحلة الــ 30 يوم , رحلة العطاء والأمل والإيمان والبركة , و في إطار خطة الوزارة لرفع كفاءة الخدمات السياحية بالمتاحف والمواقع الأثرية , جاءت الخطة متضمنة قلعة الجبل العتيقة , ” قلعة صلاح الدين الأيوبي ” , الملك الناصر المغوار , على قمة جبل المقطم بالعاصمة المصرية , وفي أعلى نقطة يستقر ليجوب صوته أرجاء البلاد , ويقتحم حدود البيوت بشجاعة وبسالة ليُتم عمله على أكمل وجه ويُنفذ مهمته بإحكام , توصيل رسالة ربانية إلى الأرواح , وفي مهمته قد أضاف ليومنا البهجة والسرور ..

 

خلطة رمضانية بجهود مصرية ..

 

جاءت عمليات الترميم والتنفيذ في إطار ما يضمن الحفاظ على التراث الأثري للقلعة العريقة , مع مواكبة استخدام التكنولوجيا الحديثة وذلك عن طريق إطلاق شعاع ليزر بجوار المدفع حتى يُمكنه من الوصول إلى مسافات شاهقة وبعيدة , بخلطة مصرية من جهود أحفاد الفراعنة , تمكنت الدولة من إعادة جزء من تراثنا الأصيل وحضارتنا الفريدة من نوعها الباقية على مر العصور .. 

وطبقاً لتصريحات الدكتور / مصطفى وزيري ” الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار ” وصاحب بصمة كبيرة في أهم الإكتشافات المصرية والتي كان آخرها إكتشاف المدينة المفقودة ” صعود آتون ” بالأقصر , فقد أوضح أن عمليات الترميم لمدفع الإفطار شملت إزالة طبقة الصدأ المكونة علي جسم المدفع وتنظيفه من الداخل , فيعود لتألقه من جديد ليواصل عمله في أروع هيئة وصورة ..

قصص كثيرة , والأصل مصري .. من صدفة إلى نكهة مصرية رمضانية عبر الأجيال .. 

 

اختلفت الروايات حول حقيقة قصة ” مدفع رمضان ” , ولكن كل الروايات والقصص تعود إلى حقيقة أصله المصري الأصيل , وذلك بحسب تصريحات الدكتور / أسامة طلعت ” رئيس قطاع الآثار الأسلامية والقبطية واليهودية ” , فالأصل مصري والتاريخ خير شاهد على عظمة تاريخنا مهما تعددت الحواديت , ففي القاهرة وتحديداً بقلعة الجبل أعلى جبل المقطم , أصبح ” مدفع رمضان ” علامة مميزة لهذا الصرح العظيم وبصمة من بصمات التاريخ على أرضنا الحبيبة لن تتمكن الحياة من طمسها ..

وإليكم بعض القصص المترددة عن بداية بطلنا اليوم ..

 

تروي إحدى القصص أن ” مدفع الإفطار ” يعود إلى عهد السلطان المملوكي ” خشقدم ” , وتحديداً في العام 1467 م , ولكنه قد جاء محض الصدفة وشاء القدر أن تكون إنطلاقة مميزة له منذ زمن بعيد , حيث أراد السلطان ” خشقدم ” أن يقوم بتجربة أحد المدافع التي قد وصلت إليه , وقد جاء وقت التجربة بنفس توقيت غروب الشمس , وفي أول أيام رمضان الكريم , فحسب الكثير من الشعب أنه تنبية من السلطان للصائمين بحلول موعد الإفطار , وخرجت جموع الشعب إلى مقر حكم السلطان في لفتة منهم إلى شكره على هذا الفعل الطيب تجاههم , وعندما استشعر السلطان ” خشقدم ” البهجة التي طالت البلاد في تلك الفترة والسعادة التي فاضت على قلوب الأهالي فأتخذ قراره في إستمرار هذا الفعل طيلة الشهر المبارك حتى أصبح عادة ومن ثم تراثاً عظيماً .. ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك ..

 

وقد جاءت قصة أخرى بتفاصيل مُقاربة للقصة الأولى , وتعود قصتنا الآن إلى عهد ” الخديوي إسماعيل ” , حيث أن جنوده قد كانوا يقومون بتجربة أحد المدافع , وكانت الصدفة تلعب دورها أيضاً , فقد كان بنفس التوقيت , أول أيام شهر رمضان وقت غروب الشمس , وأثناء التجربة إنطلقت قذيفة من المدفع لتسبح بسماء القاهرة العريقة , وبنفس السيناريو , ظن الشعب أنها بأمر الخديوي للإعلان عن وقت الإفطار , وأخذوا يجوبون بالحديث عن ذلك وحينما وصلت تلك الأحاديث إلى إبنه الخديوي وهي ” الحاجة فاطمة ” أعجبتها الفكرة وأبلغت والدها ” الخديوي إسماعيل ” بأن يجعلها حقيقة ويأمر بتنفيذها , وبالفعل قد حدث ما شاءت وأصدر فرماناً بذلك وأصبحت علامة وتنبية للصائمين بموعد الإفطار كل عام في نفس التوقيت المبارك , وعُرف وقتها بأسم ” مدفع الحاجة فاطمة ” , وفيما بعد اُضيف إطلاقه فى السحور والأعياد الرسمية ..

 

ويُعتقد أن المدفع تم تغييره أكثر من مرة وانتقل إلى أكثر من مكان , ويعرض حالياً بساحة متحف الشرطة بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة , ومواصفاته هى مدفع ماركة كروب إنتاج عام ١٨٧١ م , وهو عبارة عن ماسورة من الحديد ترتكز على قاعدة حديدية بعجلتين كبيرتين من الخشب بإطارات من الحديد، ,وكان يقوم بتشغيله اثنين من الجنود أحدهم لوضع البارود فى الفوهة والأخر لإطلاق القذيفة في سماء القاهرة لتزيد من نجومها نجماً أخر من نجوم رمضان المُعظم ..

والآن .. وبعد سنوات عديدة من البحث عن أحد أهم ركائز تراثنا الرمضاني , أنتم على موعد معه من جديد , في 30 يوم من التألق المصري الذي لن يُزاح من تاريخ الحياة .. إذاً .. ” صوماً مقبولاً وإفطاراً شهياً ” , وانتظروه في نفس الموعدمن اليوم .. وانتظروا معه الفرحة والبراءة من جديد ..

شاهد أيضاً

الاحتضان في مصر “مش مهم يكون من صلبك المهم يكون ابنك” 

كتبت : رنا إبراهيم يمنى دحروج هي من إطلقت مبادرة “الاحتضان في مصر” لتحاول من …